جلال الدين السيوطي
189
الإتقان في علوم القرآن
قال : وما توهّموا أنّه سجع باطل ؛ لأنّ مجيئه على صورته لا يقتضي كونه هو ؛ لأنّ السجع يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدّي السجع ، وليس كذلك ما اتفق ممّا هو في معنى السجع من القرآن ؛ لأنّ اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى ؛ وفرق بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدّي المعنى المقصود منه ، وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ . ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة غيره ، ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع ، كان مستجلبا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى . قال : وللسّجع منهج محفوظ وطريق مضبوط ، من أخلّ به وقع الخلل في كلامه ونسب إلى الخروج عن الفصاحة ، كما أنّ الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئا ، وأنت ترى فواصل القرآن متفاوتة ، بعضها متداني المقاطع ، وبعضها يمتدّ حتى يتضاعف طوله عليه ، وترد الفاصلة في ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير ؛ وهذا في السجع غير مرضيّ ولا محمود . قال : وأمّا ما ذكروه من تقديم موسى على هارون في موضع ، وتأخيره عنه في موضع لمكان السجع وتساوى مقاطع الكلام ، فليس بصحيح ؛ بل الفائدة فيه إعادة القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدّي معنى واحدا ، وذلك من الأمر الصعب الذي تظهر فيه الفصاحة وتتبيّن فيه البلاغة ، ولهذا أعيدت كثير من القصص على ترتيبات متفاوتة ، تنبيها بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومتكررا ؛ ولو أمكنهم المعارضة لقصدوا تلك القصّة ، وعبّروا عنها بألفاظ لهم تؤدّي إلى تلك المعاني ونحوها ، فعلى هذا القصد - بتقديم بعض الكلمات على بعض وتأخيرها - إظهار الإعجاز دون السجع ؛ إلى أن قال : فبان بذلك أنّ الحروف الواقعة في الفواصل متناسبة موقع النظائر التي تقع في الأسجاع لا تخرجها عن حدّها ، ولا تدخلها في باب السجع . وقد بيّنا أنهم يذمّون كلّ سجع خرج عن اعتدال الأجزاء ؛ فكان بعض مصاريعه كلمتين ، وبعضها أربع كلمات ، ولا يرون ذلك فصاحة ، بل يرونه عجزا ، فلو فهموا اشتمال القرآن على السجع ، لقالوا : نحن نعارضه بسجع معتدل يزيد في الفصاحة على طريقة القرآن . انتهى كلام القاضي في كتاب الإعجاز « 1 » .
--> والدارقطني 3 / 189 ، وابن حبان ( 6016 ) ، وابن الجارود ( 778 ) ، والطحاوي 3 / 205 - 206 . من طرق عن المغيرة . وله طرق أخرى انظر تفصيلها في تخريجنا لسنن ابن ماجة . ( 1 ) إعجاز القرآن ص 57 .